وهبة الزحيلي

129

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ضرب مثل ، فقام قوم : المعنى : إنا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل السماوات وأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن ، فأبين أن يحملن وزرها ، مثل : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف 12 / 82 ] أي أهلها . فهذا مجاز مرسل . وقال قوم : إن الآية من المجاز - بنحو آخر - أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال ، رأينا أنها لا تطيقها ، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت . وهذا كما تقول : عرضت الحمل على البعير فأباه ، وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل ، فرأيت أنها تقصر عنه . وقال آخرون : الحسن وغيره : العرض حقيقة أي أنه عرض على السماوات والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب ، أي أظهر لهن ذلك ، فلم يحملن وزرها ، وأشفقت ، وقالت : لا أبتغي ثوابا ولا عقابا ، وكل يقول : هذا أمر لا نطيقه ، ونحن له سامعون ومطيعون فيما أمرن به وسخّرن له . ولكن قال العلماء : معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب ، فلا بد من تقدير الحياة ، على القول الأخير . وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام . وقال القفّال وغيره : العرض في هذه الآية ضرب مثل ، أي إن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها ، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع ، لما فيها من الثواب والعقاب ، أي إن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال ، وقد كلّفه الإنسان ، وهو ظلوم جهول لو عقل . وهذا كقوله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [ الحشر 59 / 21 ] ثم قال : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ ( الآية نفسها ) قال القفال : فإذا تقرر أنه تعالى يضرب الأمثال ، وورد علينا من الخبر ما لا يخرج إلا على ضرب المثل ، وجب حمله عليه . وعلى أي حال ، المقصود بالآية بيان عظمة التكاليف وثقلها وتنبيه الإنسان